
كشفت دراسة علمية حديثة عن دليل جديد يعزز الارتباط بين السمنة في منتصف العمر وزيادة خطر الإصابة بالخرف الوعائي لاحقًا، ثاني أكثر أنواع الخرف شيوعًا بعد ألزهايمر.
وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في دورية «كلينيكال إندوكرينلوجي»، أن زيادة مؤشر كتلة الجسم قد ترفع خطر الإصابة بالخرف الوعائي بنسبة تتراوح بين 50 و60%، نتيجة تأثير السمنة طويل الأمد على ضغط الدم وتلف الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ بشكل تدريجي وصامت، بحسب واشنطن بوست.
ضغط الدم.. الحلقة الأهم
وأوضح الباحثون، أن ارتفاع ضغط الدم يفسّر ما بين 18 و25% من الزيادة في خطر الخرف الوعائي المرتبط بالسمنة، إذ يؤدي الضغط المرتفع على مدى سنوات إلى ضعف تدفق الدم إلى الدماغ وتلف أنسجته.
وقالت روث فريك شميدت، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة الطب بجامعة كوبنهاجن: «نضيف أدلة قوية جديدة تشير إلى وجود علاقة سببية، وليس مجرد ارتباط إحصائي. هذه رسالة مهمة للصحة العامة».
أعداد كبيرة
يُصاب أكثر من 50 مليون شخص حول العالم بالخرف، بينهم نحو 7 ملايين في الولايات المتحدة، ويحدث الخرف الوعائي نتيجة أمراض تصيب الأوعية الدموية في الدماغ، مثل السكتات الدماغية أو التلف الناتج عن ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وتصلب الشرايين.
وعلى عكس مرض ألزهايمر، الذي يبدأ غالبًا بفقدان الذاكرة، يتميز الخرف الوعائي بـتدهور مبكر في الوظائف التنفيذية مثل التخطيط والتنظيم واتخاذ القرار، قبل أن تظهر مشكلات الذاكرة لاحقًا، كما يتسم بتدهور متقطع يحدث على شكل فترات استقرار تتخللها تراجعات مفاجئة.
منهج بحثي متقدم
وما يميز هذه الدراسة اعتمادها على تقنية تُعرف باسم «العشوائية المندلية»، طريقة بحثية تحاكي التجارب السريرية العشوائية، وتُعد من أقوى أدوات البحث العلمي.
واعتمد الباحثون على تحليل اختلافات جينية طبيعية تؤثر على الوزن، ما يسمح بدراسة العلاقة بين السمنة والخرف، بعيدًا عن تأثير نمط الحياة أو العوامل الاجتماعية.
وقال الدكتور سايروس راجي، أستاذ الأشعة العصبية بجامعة واشنطن، الذي لم يشارك في الدراسة: «الأمر يشبه تجربة سريرية عشوائية من تصميم الطبيعة نفسها، لأن الجينات تُحدَّد منذ الولادة ولا تتأثر بعوامل لاحقة».
وأضاف أن الدراسة أظهرت أن الجينات التي تزيد الوزن ترفع خطر الخرف، ليس بشكل مباشر فقط، بل عبر التسبب في ارتفاع ضغط الدم.
رسالة صحية واضحة
وقال الدكتور جون مافي، أستاذ الطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: «السيطرة على ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة قد تساعد فعليًا في الوقاية من الخرف. إنها مشكلة ضخمة، وما زلنا لا نعرف بدقة كم منها يمكن منعه».
وأكد أن أدوات الوقاية من الخرف ما زالت محدودة، وتعتمد بشكل أساسي على تغييرات نمط الحياة. وكانت دراسة نشرتها مجلة لانسيت عام 2024، أشارت إلى أن نحو 45% من حالات الخرف يمكن تأخيرها أو تقليلها عبر الإقلاع عن التدخين، وتقليل الكحول، وتحسين النوم، وممارسة الرياضة، والحفاظ على ضغط الدم ومستويات السكر والكوليسترول.
وأضاف الدكتور مافي: «سأبدأ بإخبار مرضاي أن هناك احتمالًا حقيقيًا لوجود علاقة بين الوزن والخرف الوعائي، وهذا سبب إضافي للتركيز على إنقاص الوزن».





