الفاو: صدمة أسعار الغذاء لم تصل بالكامل إلى المستهلكين بعد
زيادة التكاليف تستغرق 3-6 أشهر لتنتقل إلى المنتجات النهائية

• إنتاج القمح تراجع 4.3% هذا العام مقارنة بعام 2025
• المزارعون أمام قرارات صعبة مع ارتفاع أسعار المدخلات بوتيرة تفوق أسعار السلع
(بلومبرغ) – حذر ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، من أن الارتفاع الحالي في أسعار الغذاء بسبب حرب إيران والصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا ربما لم يصل بالكامل بعد إلى المستهلكين، متوقعاً استمرار الضغوط التصاعدية حتى نهاية العام ما لم يتم التوصل إلى تسويات تخفف من حدة الاضطرابات الجيوسياسية، وفقاً لـ «الشرق بلومبرغ».
وأوضح توريرو، أن زيادة تكاليف نقل الحبوب والطاقة تستغرق ما بين ثلاثة وستة أشهر لتنتقل إلى أسعار الخبز والمعكرونة وغيرها من المنتجات النهائية، لكنه أضاف أن عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها ستحتاج إلى وقت حتى في حال انحسار التوترات.
“المستهلكون لم يدركوا بعد التأثير الكامل” لارتفاع أسعار السلع، بحسب توريرو، الذي أوضح أن الصدمة تنتقل تدريجياً من أسعار الطاقة والأسمدة والنقل إلى المزارعين، ثم إلى أسعار المحاصيل، وأخيراً إلى المنتجات التي تصل إلى المتاجر.
وبينما لا يزال الاقتصاد العالمي يحاول امتصاص أثر حرب إيران على أسعار النفط والغاز، يُنذر تحذير توريرو بصدمة سعرية جديدة، وتحديداً للدول المستوردة للغذاء والطاقة.
كما تأتي التصريحات في وقت بدأت فيه أسعار السلع الغذائية العالمية تعكس بعض هذه الضغوط، حيث ارتفع مؤشر “الفاو” لأسعار الغذاء 0.6% في يوليو مقارنة بالشهر السابق، بينما قفز مؤشر أسعار الحبوب 3.4%، وزادت أسعار القمح العالمية 5.8% على خلفية المخاوف من تعطل تدفقات الصادرات عبر البحر الأسود وتأثير موجات الحر على المحاصيل في دول منتجة رئيسية. ومع ذلك، ظل المؤشر العام لأسعار الغذاء أقل بنحو 18% من ذروته المسجلة في مارس 2022.
أزمة تكلفة لا أزمة نفاد
تختلف الصورة الحالية عن الصدمة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022. فالإمدادات العالمية من الحبوب لا تزال وفيرة نسبياً، لكن كلفة إنتاجها ونقلها ترتفع.
تتوقع “الفاو” أن يبلغ إنتاج الحبوب العالمي نحو 2.98 مليار طن في 2026، بانخفاض 1.9% عن المستوى القياسي المسجل العام الماضي، لكنه سيظل ثاني أكبر محصول في التاريخ. كما تتوقع أن تبقى نسبة المخزونات العالمية إلى الاستخدام عند مستوى مريح نسبياً يبلغ 32% في العام المقبل.
لكن الصورة أقل اطمئناناً بالنسبة إلى القمح. خفضت المنظمة توقعاتها للإنتاج العالمي إلى 806.5 مليون طن هذا العام، بانخفاض 4.3% عن 2025، مع تراجع المحصول لدى عدد من كبار المنتجين. كما تتوقع انخفاض التجارة العالمية في القمح بنحو 4.7% خلال موسم 2026–2027.
وقال توريرو إن الخطر المباشر الذي تفرضه الحرب في أوكرانيا أصبح لوجستياً بقدر ما هو إنتاجي، في ظل أهمية البحر الأسود لتجارة الحبوب العالمية والمخاطر التي تحيط بنقل الصادرات إلى الأسواق.
وأضاف أن المخاطر تبدو أقل بالنسبة إلى الذرة في الوقت الراهن، رغم المخاوف المرتبطة بالطقس والمحاصيل الصيفية، بينما يظل القمح والأرز بين السلع التي تستدعي أكبر قدر من المتابعة خلال الأشهر المقبلة.
هرمز يصل إلى المزرعة
تضيف الحرب في الشرق الأوسط طبقة أخرى من المخاطر لا تمر بالضرورة عبر نقص الغذاء نفسه، وإنما عبر الطاقة والأسمدة والنقل.
مضيق هرمز ليس ممراً للنفط والغاز فقط، بل إن اضطراب حركة الطاقة عبره يرفع تكلفة تشغيل الآلات الزراعية والري والنقل، وكذلك إنتاج الأسمدة النيتروجينية التي يعتمد تصنيعها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي.
وقبل الصراع الحالي، كان يمر عبر هرمز ما يعادل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وأكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وقالت “الفاو” في وقت سابق هذا العام إن الأزمة بدأت تنتقل من الطاقة إلى الزراعة على مراحل، تبدأ بارتفاع أسعار الوقود والأسمدة ثم تؤثر على قرارات المزارعين واستخدام المدخلات والغلال، قبل انتقالها لاحقاً إلى أسعار السلع والغذاء للمستهلك.
وتظهر البيانات بالفعل ضغوطاً على سوق الأسمدة. فقد انخفض حجم تجارة الأسمدة العالمية بنحو 30% خلال الفترة من يناير إلى أبريل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق تقرير “توقعات الغذاء” الصادر عن المنظمة في يونيو.
المزارعون أمام خيارات أصعب
قال توريرو إن هذه الحلقة تمثل أحد أكبر المخاطر على الإمدادات في المرحلة المقبلة، لأن أسعار المدخلات ترتفع بوتيرة تضغط على هوامش المزارعين أكثر من ارتفاع أسعار المحاصيل نفسها.
وقد يدفع ذلك بعض المزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة أو التحول إلى محاصيل تحتاج إلى كميات أقل من النيتروجين، ما قد يؤدي بدوره إلى انخفاض الغلة في المواسم التالية.
وهذه هي النقطة التي تجعل الأزمة الحالية مختلفة عن مجرد ارتفاع مؤقت في سعر القمح أو الذرة.
فالنفط يتفاعل سريعاً مع الأحداث الجيوسياسية وتظهر تحركاته فوراً تقريباً في الأسواق، بينما تتحرك سلسلة الغذاء بوتيرة أبطأ. يحتاج القمح إلى النقل والطحن والتصنيع والتوزيع قبل أن يصبح رغيف خبز، وكل مرحلة تحمل معها تكاليف الطاقة والعمالة والنقل.
لذلك، يرى توريرو أن السؤال الذي يواجه أسواق الغذاء حالياً ليس ما إذا كان العالم يمتلك كميات كافية من الغذاء، بل ما إذا كان يستطيع إنتاجها ونقلها إلى المستهلك بتكلفة يمكن تحملها.
وتتفق هذه القراءة مع تقييم “الفاو” الأوسع للأسواق. فقد قالت المنظمة في يونيو إن الإمدادات العالمية لا تزال “قوية على مستوى الإنتاج”، لكن المخاطر المحيطة بالطاقة والأسمدة والطقس والتجارة تتزايد، ويمكن أن تنتقل سريعاً إلى القدرة على الوصول إلى الغذاء وأسعاره.
وستحدد الأشهر المقبلة إلى أي مدى تتحول هذه الضغوط من أزمة في تكاليف المزارعين وشركات الشحن إلى أزمة في ميزانيات الأسر.





