اندلاع مظاهرات عنيفة في فرنسا احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة
الشرطة تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين في باريس

• توقيف أكثر من 130 شخصاً في العاصمة واقتحام مباني بلدية في عدة مدن
شهدت باريس والعديد من المدن الفرنسية السبت، أعمال عنف في خضم تظاهرات نُظمت احتجاجا على «ارتفاع تكلفة المعيشة»، وذلك قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وشهدت ساحة لا ريبوبليك (الجمهورية) في وسط باريس توترا بين محتجين وقوات الأمن التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المتظاهرين، وفقا لمراسلي وكالة فرانس برس.
ولجأت الشرطة التي انتشر عناصرها بشكل كثيف في عدد من أحياء العاصمة إلى الغاز المسيل للدموع في مواجهة مئات من المتظاهرين الذين ارتدى معظمهم ملابس سوداء وأقنعة، وقام بعضهم بإطلاق مقذوفات وألعاب نارية نحو العناصر.
ومع انطلاق المسيرة، استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق متظاهرين عنيفين. وبحلول الساعة 12,00 بتوقيت غرينتش، أُلقي القبض على 133 شخصا في باريس، وفقا للشرطة.
وفي مرسيليا ثاني أكبر مدن فرنسا، اقتحم محتجون وصفهم رئيس البلدية بينوا بايان بأنّهم «مخرّبون»، مبنى البلدية لفترة وجيزة.
وذكر مراسل فرانس برس أن محتجين ملثمين قاموا بخلع الباب ثم دخل عدد منهم إلى المبنى حيث قام أحدهم برسم رمز خاص بالنشطاء الفوضويين على أحد الجدران، قبل أن تتدخل الشرطة. وهتف أحد المتظاهرين «نحن نقتحم سجن الباستيل»، في إشارة إلى اقتحام القلعة التي تحمل هذا الاسم خلال الثورة الفرنسية عام 1789.
وأعلن رئيس البلدية في وقت لاحق، أنّه تم إرسال تعزيزات من الشرطة إلى المدينة.
وبحلول منتصف النهار، سجّلت السلطات 140 تحرّكا شارك فيه 32800 شخص في مختلف المناطق، وفقا لمصادر مقرّبة من وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، الذي أعرب عن خشيته من أن «يتسبّب اليسار المتطرف في حرف التظاهرات عن مسارها».
«يقوّضون خدماتنا العامة»
في باريس، حيث تم تكثيف عمليات التفتيش لفرض احترام حظر التظاهر في مناطق عدة، تدخّلت قوات إنفاذ القانون لفض مسيرتين غير مصرّح بهما، وفقا للسلطات.
وقالت فلورين بينيي (36 عاما) وهي فنانة وشم تشارك في إحدى التظاهرات «اليوم، هناك نقطة تلاق للغضب، كلّها مشروعة وكلّها مرتبطة بشكل أو بآخر».
واذ وصفت نفسها بأنّها «أم قلقة بشأن مستقبل ابنتها»، قالت إنّها تشعر بالغضب لأنّ «قادتنا، على مدى العقود القليلة الماضية، كانوا يقوّضون خدماتنا العامة تدريجا، قليلا هنا وقليلا هناك، بينما يزداد الأثرياء ثراء في الوقت نفسه».
وفي باريس أيضا، هاجم حوالى مئة متظاهر مقرّ قناة «سي نيوز» التلفزيونية المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا بمقذوفات على الواجهة، وفق الشرطة التي أعلنت عن توقيف 21 شخصا.
وما زال حراك السترات الصفراء في 2018–2019 الذي بدأ تنديدا برفع الضريبة على الوقود، ماثلا في الأذهان عند كل تحرك احتجاجي في فرنسا. وقد لقيت صور أعمال العنف على هامش الاحتجاجات خصوصا في جادة شانزيليزيه انتشارا واسعا في العالم.
ولقي نداء لإحياء هذا الحراك الذي طبع الولاية الرئاسية الأولى لإيمانويل ماكرون مع احتجاجات واسعة وقطع للطرق ونقاط استراتيجية تنديدا بـ»غلاء المعيشة»، معارضة من الطلاب والتلاميذ الذين يطالبون بظروف تعليم أفضل.
وفي ليون، أضرم محتجون النار في مكتب للسياحة، وفق ما أفاد مراسل فرانس برس.
ووقعت الحادثة في ساحة مركزية، حيث كانت مجموعات من الشبان الملثمين ترمي عناصر الشرطة بمقذوفات وألعاب نارية، فردّت عليهم الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
كما حاول نحو أربعين شخصا قطع حركة المرور على جسر، في حين حاول آخرون التجمّع في محيط مصفاة، وفق ما أفادت السلطات.
واقتحم محتجون مبنى بلدية مدينة ليل بشمال البلاد، حيث ألحقوا أضرارا بمحتوياته قبل أن يغادروه، بحسب ما شاهد مصور فرانس برس.
وفي مدينة رين، أقيم حاجز بواسطة حاويات نفايات وألواح كبيرة في محيط مركز تجاري.
وأورد كريستوف، وهو نجّار في السابعة والأربعين كان ضمن حراك السترات الصفراء أنه أصيب في 2019 بطلقة من بندقية كرات وامضة، وهو سلاح يشكّل استخدامه من قوى الأمن موضع جدل.
وقال في تصريحات لوكالة فرانس برس «اليوم وصل الحدّ إلى قمع أطفالنا».
دعوة إلى «الهدوء والاحترام»
بعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية، ما زال من الصعب توقّع نطاق هذا الحراك الذي يتزامن مع أول يوم من عطلة مدرسية، في حين دعت النقابات موظفي القطاعين العام والخاص إلى التظاهر والإضراب في الخامس من نوفمبر، خصوصا من أجل الرواتب والخدمات.
وفي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو الذي يرزح تحت وطأة الديون، يأتي تلاقي التحركات الاحتجاجية من قطاعات مختلفة، على وقع توتّرات اجتماعية يؤجّجها ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية.
وأُعلن عن حوالى 1500 حراك احتجاجي السبت في أنحاء فرنسا على موقع مخصّص لذلك. وأفادت أوساط مقرّبة من وزير الداخلية عن 500 حركة «مرتقبة» وأكثر من 90 تظاهرة مخطّطا لها.
وأفاد مصدر في الشرطة فرانس برس بأن التوقّعات تشير إلى احتمال مشاركة نحو 200 ألف شخص، 40 ألفا منهم في باريس.
ومن بروكسل، دعا ماكرون الجمعة إلى «الهدوء والاحترام»، معتبرا أن الحق في التظاهر يجب أن يقترن «باحترام الأشخاص والممتلكات».
وكان ماكرون اعتبر أخيرا أن المطالب «المشروعة» للطلاب يجري «استغلالها لأغراض سياسية»، وفقا لمتحدثة حكومية.
وأعلن زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون دعمه للحراك الطالبي، وشارك في إحدى التظاهرات في باريس.
في المقابل، أعرب حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبن، الأوفر حظّا للفوز في الانتخابات، عن دعمه للشرطة، محمّلا الطلبة مسؤولية أعمال العنف.
وصرّح جيروم الشخصية البارزة في حراك «السترات الصفراء» الذي خسر احدى عينيه خلال تظاهرات يناير 2019 في باريس «مهما حصل في السابع عشر (من أكتوبر)، لن تحلّ المشكلة في يوم واحد. ولا بدّ من رفع الصوت لفترة أطول».





