د. عبدالرحمن الجيران | التحرر الفكري وتاريخنا العربي

2019-06-22 - 21:23

إن التحرر الفكري مرتبة لا يصل إليها إلا من أنعم الله عليهم بسعة الأفق ورحابة التوحيد ورجاحة العقل وصفاء الذهن، ووهبهم المقدرة على تحليل الأمور، بعيداً عن العواطف والرواسب والأهواء والخلفيات.

لقد بدأت اليقظة العربية منذ 1820 وهي بداية تنبه العرب إلى ماضيهم المجيد وإدراكهم واقعهم المتخلف، فالثبات على المبدأ ليس دائماً فضيلة، كما يعتقد البعض، وإلا لكان أبو جهل أفضل من أبي بكر، لأن الأول ثبت على الموروث الذي ورثه عن أجداده، بينما ترك الثاني تلك المبادئ ليعتنق الدين الجديد عندما تبين له وجه الحق فيه.

وفي مطلع القرن الثامن عشر رفع شعار التحرر دعاة العصرنة والتنوير كالليبرالية والعلمانية، ولكنهم تصرفوا عكس مضمونه لصعوبة التحلل من خلفيات موروثة وقناعات بلغت حد القدسية عندهم، وليس أسوأ من الثبات على معتقدات باطلة إلا تركها لاعتناق مبادئ ومعتقدات وأفكار أضل منها وهذا حالهم اليوم.

والتحرر الفكري يتطلب منا دراسة رواد النهضة العربية أمثال الإمام عبدالحميد بن باديس بالجزائر 1889 وعبدالرحمن الكواكبي في مصر 1854، ومحمود شاكر الألوسي 1856 في العراق، وصديق حسن خان 1832 في بلاد الهند، والشوكاني باليمن 1834، والمجدد محمد بن عبدالوهاب طيب الله ثراه الذي استخلص الإسلام وصفاه من أدران الجاهلية الوثنية والتخلف.

ويحتاج تاريخنا دراسة موضوعية، وتجريده من دسائس المغرضين وعواطف المتحمسين ثم تحليله تحليلا علمياً. وبذلك نستطيع استنتاج عوامل النهضة وأسباب الانحطاط، فتمكن من بناء مستقبل أفضل بالاستفادة من الماضي.

إن العداء بين الشرق والغرب عداء تقليدي قديم، زاده حدَّة هذا الانقسام الديني المعاصر فالحروب الدينية تكون عادة من أقسى الحروب لاعتقاد كل فريق بأنه ينفذ إرادة الإله على الأرض، ويؤدي واجباً مقدساً انتدبه الرب للقيام به؟

وحيث إن بلادنا العربية عامة كانت جزءاً من الدولة العثمانية لا بل كانت أكبر أجزائها، وتاريخنا في تلك الحقبة الطويلة هو تاريخها لأننا كنا شركاءها في السراء والضراء وفي الفتوحات والهزائم فكان من واجب كل عربي، بصورة خاصة، ومن واجب كل مسلم بصورة عامة أن يطلع على هذا التاريخ ليعرف ما للدولة العثمانية وما عليها.

 

وإذا كانت هذه الدولة العظيمة قد زالت من الوجود بفعل تكالب دول الغرب عليها، فما ذلك إلا لأنها كانت دولة إسلامية تحكم بالشريعة لا بالقوانين الوضعية واعتمدت المذهب الحنفي أوسع المذاهب الإسلامية انتشاراً. رغم وجود بعض الآراء والاختيارات والأقوال المرجوحة.
ولو كانت غير ذلك لما مست بسوء، بل لكانت وجدت العون والنصرة من الذين عادوها، وأكبر برهان على ذلك روسيا الشيوعية التي قضت على المسلمين في أوروبا الشرقية، واستعبدت أهلها وسلبتهم دورهم وأراضيهم، وأقامت على أنقاض تلك الشعوب امبراطورية ساعدها في ذلك النخب الفكرية والأحزاب الشيوعية والاشتراكية والبعثية العربية، ولم يتحرك أحد لنصرة أولئك المظلومين. ثم إنها بعد الحرب العالمية الثانية نشرت الشيوعية في دول أوروبا الشرقية وسيطرت عليها بالحديد والنار.

الخلاصة

إن في تاريخ الدولة العثمانية عبراً لمن يريد الاعتبار سواء أكان ذلك في مجال الحرب والقتال، أو التضحية والفداء أو في ميادين السلم والمحبة والتسامح والتآخي والكرم والعفو. كما أن في تاريخها دروساً لمن يريد أن يعرف ما تنطوي عليه نفوس الغربيين من حقد وحسد وبغضاء وعداوة للإسلام والمسلمين، وإن الحروب الصليبية التي شنت علينا منذ ظهور الإسلام لم تنته بعد ولن تنتهي ما دام الفرق موجوداً بين التوحيد والشرك، والتحرر والتبعية!

 

 
د. عبدالرحمن الجيران

جريدة الراي

مواضيع ذات صلة:

د. عبدالرحمن الجيران | آفة تفسير نصوص الدستور

التفسير في اللغة هو الايضاح والتبيين قال الله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ...

23 يناير 2020

د. عبدالرحمن الجيران | الله يعذر بالجهل (2)

العذر بالجهل يحكمه أصلان في الإسلام:   الأصل الاول: أنه لا تكليف للعباد إلا بالشرع المنزل. الأصل...

23 يونيو 2018

د. عبدالرحمن الجيران | أيهما أفضل: العلم أم العقل؟

مفهوم العقل: العقل معناه الحبس والمنع ومنه عقلتُ البعير أي ربطته.  وهو الغريزة المدركة في الإنسان التي...

19 مايو 2018

د. عبدالرحمن الجيران | تركيا والإسلام السياسي: مدرسة النورسي

سعيد النورسي، كردي الأصل ولد في فترة الخلافة العثمانية 1877 من أسرة متدينة، ورحل في طلب العلم وتصدى لفكر كمال...

28 أبريل 2018