عبدالعزيز العنجري | الديستاتورية..!

2019-06-25 - 22:48

الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لديها ثروة مالية كبيرة هي تلك التي لديها النفط، والتي أصبحت ذات قيمة بعد اختراعات التكنولوجيا الغربية. ففي ظل مئات السنين من الحكم العثماني، وبعيداً عن العبث الغربي، كانت اقتصادات هذه المناطق تعاني من ركود كبير، وعلى الرغم من الزيادة الهائلة خلال الخمسين عاما الماضية في الثروة والرفاهية، فإن هناك دولا لا تزال تهدر وتبذر المليارات من دون تقديم أي محتوى علمي مهم للبشرية. فدول الغرب وشرق آسيا وحتى كيان الاحتلال ـ إسرائيل ـ تقدمت في الثروة والابتكارات والعلوم والمهارات والتنمية. في الواقع، خلال الحرب الباردة، كان على دول عربية غير نفطية كمصر وسوريا الاعتماد على مساعدات حلفائها في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. المواطن العربي يسأل نفسه دائماً عن سبب تأخره. ولحل هذه المشكلة لابد من إجراء إصلاحات، ولكن أي نوع من الإصلاحات؟ المشكلة تكمن في ان هناك أنظمة حكم دكتاتورية في المنطقة.. أو لنلطفها قليلا نقول أنظمة حكم ديستاتوري، حيث تنعم معظم دول المنطقة بهامش دستور وبرواز للديموقراطية يغلف بشاعة استبداد الحزب الحاكم.

لم يمر الشرق الأوسط بالمرحلة المثالية التي مر بها الغرب في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وبدلاً من ذلك، كانوا تحت سيطرة زعماء معظمهم مستبدون سيطروا على السلطة المطلقة قبل الاستعمار.

حتى هذه اللحظة، فإن الدول الوحيدة التي تتمتع بلمسة من الديموقراطية فشلت في تحقيق أي تغييرات جذرية في ظل حكومات أغلبها يسيطر عليها الغرب والروس، ولم تتحرك عجلة الإصلاحات فيها لأكثر من 30 عاماً.

وما زاد الطين بلة هو الاستنزاف الهائل للناتج المحلي الإجمالي، بسبب الفساد من جهة والنمو السريع في عدد السكان من جهة أخرى. ومع هذه المعادلة الخطيرة سيكون هناك هدر اكبر للمال العام وزيادة اكبر في الفساد، مما سينتج عنه قدر كبير من الفقر خلال السنوات القليلة القادمة. وبما أن العالم العربي لم يكن أبداً مجتمعاً قائماً على الجدارة والكفاءة، حتى قبل الاستعمار، لا يزال هناك الكثير من الفساد المقبول والمطلوب من المجتمع.

الدول العربية ليست فعالة في ساحة المعركة، ولا يوجد لأي دولة عربية أي انتصار عسكري حتى الآن، فبعض حكومات المنطقة أساتذة محترفون فقط في دعم المتمردين ضد أعدائهم منذ عام 1948، والسيناريو يتكرر حتى حرب 1967، ومن بعدها ايلول الأسود، وخروج المسلحين الفلسطينيين والعرب من الأردن، حيث انتقل البعض منهم إلى لبنان، الذي أغرقته الصراعات والقتال بين الفصائل، التي كانت تدعمها إسرائيل وسوريا والأردن.. إلخ. وحتى العراق أيد جماعة متمردة شيوعية إيرانية مجاهدي خلق ضد إيران، بينما دعمت إيران الموالين لها في العراق.

وبصرف النظر عن كل هذا العنف، الذي تعاني منه بعض الدول العربية، كانت هناك أيضا كيانات غير تابعة للدولة، مثل الإخوان المسلمين، التي بدأت الانتفاضات أو تولت السلطة، ومن ثم جرى قمعها. هذه المجموعات ليست مضطرة الى الانتصار دائما، فخسائرها المادية والبشرية قابلة للاستبدال، لأنها قادرة على الاستمرار في زعزعة استقرار الدول التي تتعارض مع إرادتها.

كما دعمت سوريا «حزب الله» خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وعندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية، قامت كل الميليشيات باستثناء «حزب الله» بنزع سلاحها.

للاسف بعض الدول بالمنطقة تستنزف ثروات شعوبها في حروب من دون أي انتصار حقيقي، كما ان جزءاً كبيراً من هذه الأموال يذهب لتجييش المطبلين بالمنطقة، كما يذهب بعضها الآخر في عقاب فئة - القابض على جمرة، وبما ان الحكم في بعض دول المنطقة «ديستاتوري» بأفضل حالاته، فلا يوجد ما يبشر بالخير سوى أن هناك قلة من الحكماء الذين يعون مخاطر الحروب وأهمية الاستقرار ومفهوم الحرية وان كان بالقطارة.

جريدة القبس

عبدالعزيز محمد العنجري

@Abdulaziz_anjri

a.alanjeri@gmail.com
 

مواضيع ذات صلة:

عبدالعزيز العنجري | الكفاءة الإيرانية

في السنوات العشر الأخيرة بزغ نجم إيران في الإقليم، وبدا أن طهران نجحت، رغم الحصار المفروض عليها في بسط...

15 يناير 2020

عبدالعزيز العنجري | أميركا التي نسيناها..!

لقد مر ما يقرب من 30 عاما منذ أن ساعدت الولايات المتحدة في تحرير الكويت في 26 فبراير 1991، وهو يوم تاريخي بلاشك....

31 يوليو 2019

عبدالعزيز العنجري | هل مبادئنا مزدوجة؟

هل نحن أصحاب مبادئ؟ إذا كان الجواب «لا» فسينتهي المقال عند هذا الحدّ. غير أنني سأفترض أن الجواب...

18 يوليو 2019

عبدالعزيز العنجري | الرئيس الفقير سانكارا

التحق بالمدرسة العسكرية، وأكمل تدريب الضباط في مدغشقر. بعد انقلاب عام 1980، عمل لفترة وجيزة وزيرا للإعلام، ثم...

30 يونيو 2019