عبدالعزيز العنجري | الرئيس الفقير سانكارا

2019-06-30 - 21:55

التحق بالمدرسة العسكرية، وأكمل تدريب الضباط في مدغشقر. بعد انقلاب عام 1980، عمل لفترة وجيزة وزيرا للإعلام، ثم أصبح رئيسًا للوزراء في عام 1982. تم سجنه ثم أطلق سراحه خلال صراع على السلطة في أوائل عام 1983. ثم في 4 أغسطس 1983، استولى على السلطة بانقلاب عسكري. انه توماس سانكارا الرئيس السابق لبوركينا فاسو من أغسطس 1984 - أكتوبر 1987. الزعيم الثوري الذي أتى بأفكار لتحرير بلده من سطوة المساعدات الخارجية ولجام الغرب وتحديدا فرنسا على بلده. وقد دفع ثمناً باهظاً لرؤيته لبوركينا فاسو الذاتية الاستدامة. لقد عمل كل شيء من أجل شعبه، بالرغم من حالة بلده الاقتصادية الصعبة.

في السنوات الأربع التي قضاها رئيسا، احتل مكانة متميزة كأحد أكثر القادة الشباب بروزًا في العالم. واستحوذت قراراته الشعبية والكاريزما في شخصيته على اهتمام دولي أثناء محاولته تحرير بلاده - المستعمرة الفرنسية السابقة المعروفة باسم فولتا العليا - من الفقر والفساد. كان صريحا وصادقا، وقام ببرنامج حماسي لغرس الكبرياء في مواطني الدولة الصحراوية التي يبلغ عدد سكانها آنذاك سبعة ملايين نسمة، والتي أطلق عليها اسم بوركينا فاسو أو أرض الرجال الصالحين.

باع ممتلكات فلول النظام السابق، وجمّد ارصدة من سرقوا المال العام وحولها لخزينة الدولة وأمر جميع الوزراء بحكومته بأن يسافروا على الدرجة السياحية. عين ثلاث نساء في مجلس وزرائه، مبتعدا بشكل حاد عن التقاليد في بلد غالباً ما تجد فيه النساء الحد الأدنى من الحقوق. كما حظر الدعارة والتسول وأغلق النوادي الليلية.

خفض راتبه إلى 450 دولارًا فقط في الشهر واقتصرت ممتلكاته على سيارة واحدة ودراجة نارية. باع أسطول سيارات مرسيدس الحكومية واستبدلها بسيارة رينو 5 (أرخص سيارة تباع في بوركينا فاسو في ذلك الوقت).

قام بتخفيض رواتب كبار الموظفين بالدولة، وأعاد توزيع الأراضي الزراعية من الملاك الاقطاعيين وأعطاها مباشرة للفلاحين، وهو ما أدى إلى ارتفاع إنتاج القمح في ثلاث سنوات فقط من طن ونصف الطن لكل هكتار إلى 4 أطنان لكل هكتار، مما جعل البلاد تتمتع بالاكتفاء الذاتي والتوقف عن طلب المساعدات الدولية الغذائية، وهو ما شكل صدمة غير مسبوقة لأولئك الذين كانوا ينتظرون فشله.

كانت الرعاية الصحية من اولويات سانكارا، حيث بدأ بحملة للتطعيم ضد مختلف الامراض، وفي اسبوع واحد تم تطعيم 2.5 مليون مواطن فضلاً عن توفير الرعاية الصحية المجانية لهم مما ترتب عليه انخفاض معدل الوفيات وانتشار الأمراض.. عندما سئل عن سبب عدم رغبته في تعليق صورته في الأماكن العامة والدوائر الحكومية، كما الحال بالنسبة للزعماء الأفارقة الآخرين، أجاب سانكارا «هناك سبعة ملايين توماس سانكارا».

رفض فكرة المساعدات الأجنبية، قائلاً إن «من يغذيك، سيسيطر عليك».. تحدث ببلاغة في المنتديات الدولية ضد التغلغل المستمر للاستعمار الجديد لأفريقيا من خلال التجارة والتمويل. ودعا إلى جبهة موحدة للدول الأفريقية للتخلي عن ديونها الخارجية.

اغتيل سانكارا في مؤامرة انقلابية في 15 أكتوبر 1987.

إذا نظرنا إلى عالمنا المعاصر.. كم سانكارا لدينا؟ كم رئيسا تنازل عن ترف الحياة لينعم الشعب بالمزيد من خيرات بلاده؟

أدركت اثناء قراءتي لسيرة هذا الرجل حاجتنا إلى التعلّم من التاريخ. فكما نشاهد من تاريخنا المعاصر انتشار قصص عن مستبدين وفاسدين وطغاة لابد أن ندرك وجود حكام يتمتعون بقدر عال من الإدارة المخلصة للوطن، فرغم شح الموارد الطبيعية وقلة مستوى التعليم وانتشار الفقر وتكالب قوى عظمى ضده استطاع سانكارا أن يحوّل بلاده في غضون أربعة أعوام فقط من بلد مدين يعتمد كليا على المساعدات الدولية إلى بلد شبه مستقل اقتصاديا ومتقدم اجتماعيا، فكيف الحال بدول فيها من المقومات والإمكانات والثروات ما لم يحلم به سانكارا.

نحن بحاجة إلى المزيد من سانكارا اليوم، لأننا نفتقد في العديد من مناطق عالمنا العربي أمثاله المشهود لهم بالزهد والنزاهة والصدق.

 

 
جريدة القبس

عبدالعزيز محمد العنجري

@Abdulaziz_anjri

a.alanjeri@gmail.com
 

مواضيع ذات صلة:

عبدالعزيز العنجري | الكفاءة الإيرانية

في السنوات العشر الأخيرة بزغ نجم إيران في الإقليم، وبدا أن طهران نجحت، رغم الحصار المفروض عليها في بسط...

15 يناير 2020

عبدالعزيز العنجري | أميركا التي نسيناها..!

لقد مر ما يقرب من 30 عاما منذ أن ساعدت الولايات المتحدة في تحرير الكويت في 26 فبراير 1991، وهو يوم تاريخي بلاشك....

31 يوليو 2019

عبدالعزيز العنجري | هل مبادئنا مزدوجة؟

هل نحن أصحاب مبادئ؟ إذا كان الجواب «لا» فسينتهي المقال عند هذا الحدّ. غير أنني سأفترض أن الجواب...

18 يوليو 2019

عبدالعزيز العنجري | الديستاتورية..!

الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لديها ثروة مالية كبيرة هي تلك التي لديها النفط، والتي أصبحت ذات قيمة...

25 يونيو 2019