سنة الطفحة.. شاهد تاريخي على عزم أهل الكويت وإرادتهم

2019-09-29 - 10:44

‮«‬كونا‮»‬‭ - ‬تستذكر‭ ‬الكويت‭ ‬غدا‭ ‬الاثنين‭ ‬حدثا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬شهده‭ ‬الأجداد‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البحر‭ ‬والغوص‭ ‬عندما‭ ‬مر‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬الرخاء‭ ‬والوفرة‭ ‬المالية‭ ‬وصادف‭ ‬سنة‭ ‬1912‭ ‬التي‭ ‬أرخها‭ ‬الكويتيون‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬بتسميتها‭ ‬بسنة‭ (‬الطفحة‭).‬

ففي‭ ‬30‭ ‬سبتمبر‭ ‬1912‭ ‬وصل‭ ‬عدد‭ ‬سفن‭ ‬الغوص‭ ‬الكويتية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬800‭ ‬سفينة‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬متنها‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬غواص‭ ‬وبحار‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغت‭ ‬أرباح‭ ‬محصول‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنة‭ ‬ستة‭ ‬ملايين‭ ‬روبية‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬حاكم‭ ‬الكويت‭ ‬السابع‭ ‬الشيخ‭ ‬مبارك‭ ‬الصباح‭.‬

وشهدت‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬وفرة‭ ‬مالية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬حطمت‭ ‬جميع‭ ‬المقاييس‭ ‬التي‭ ‬سبقتها‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تلتها‭ ‬وتجاوز‭ ‬دخل‭ ‬سفن‭ ‬الغوص‭ ‬الكويتية‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬ستة‭ ‬ملايين‭ ‬روبية‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬أهل‭ ‬الكويت‭ ‬إلى‭ ‬مضاعفة‭ ‬نشاطهم‭ ‬البحري‭ ‬والتجاري‭ ‬لاسيما‭ ‬الغوص‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬عصب‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬آنذاك‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬عام‭ ‬1910‭ ‬عندما‭ ‬نشبت‭ ‬معركة‭ (‬هدية‭) ‬التي‭ ‬استنزفت‭ ‬أموالا‭ ‬كثيرة‭ ‬مما‭ ‬اضطر‭ ‬معه‭ ‬حاكم‭ ‬الكويت‭ ‬آنذاك‭ ‬الشيخ‭ ‬مبارك‭ ‬الصباح‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬رحلات‭ ‬الغوص‭.‬

كما‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬هجرة‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬تجار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬كالبحرين‭ ‬لكن‭ ‬بفضل‭ ‬جهود‭ ‬الشيخ‭ ‬مبارك‭ ‬الصباح‭ ‬عاد‭ ‬معظم‭ ‬هؤلاء‭ ‬التجار‭ ‬إلى‭ ‬البلاد‭ ‬عام‭ ‬1911‭ ‬واستأنفوا‭ ‬نشاطهم‭ ‬التجاري‭ ‬فانطلقت‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1912‭ ‬بأعداد‭ ‬هائلة‭ ‬لتعوض‭ ‬خسارة‭ ‬العامين‭ ‬الماضيين‭.‬

وشهدت‭ ‬سنة‭ (‬الطفحة‭) ‬تضاعف‭ ‬حجم‭ ‬قوة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بالبحر‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬العمال‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬منهم‭ (‬القلاليف‭) ‬وهم‭ ‬صناع‭ ‬السفن‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ (‬العماير‭) ‬وهم‭ ‬المتخصصون‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬مستلزمات‭ ‬الغوص‭ ‬والسفن‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البحارة‭ ‬وباقي‭ ‬طاقم‭ ‬السفن‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬كبير‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬سكان‭ ‬الكويت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬110‭ ‬آلاف‭ ‬نسمة‭.‬

أما‭ ‬عدد‭ ‬سفن‭ ‬السفر‭ ‬التي‭ ‬أبحرت‭ ‬في‭ ‬سنة‭ (‬الطفحة‭) ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬200‭ ‬سفينة‭ ‬ووصل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬إلى‭ ‬6000‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬إجمالي‭ ‬دخل‭ ‬حمولتها‭ ‬من‭ ‬البضائع‭ ‬في‭ ‬رحلتي‭ ‬الذهاب‭ ‬والإياب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬روبية‭.‬

ويرى‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬سنة‭ (‬الطفحة‭) ‬تعتبر‭ ‬مؤشرا‭ ‬مهما‭ ‬يبين‭ ‬أهمية‭ ‬الكويت‭ ‬التجارية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قديما‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬معبرا‭ ‬تجاريا‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وشرق‭ ‬أفريقيا‭ ‬وشكلت‭ ‬محطة‭ (‬ترانزيت‭) ‬للبضائع‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬مركزا‭ ‬صناعيا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬تجارة‭ ‬الغوص‭ ‬كويتية‭ ‬الصنع‭ ‬وتعتبر‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬وأقوى‭ ‬واكبر‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وأدى‭ ‬النشاط‭ ‬الضخم‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬حجم‭ ‬المبالغ‭ ‬المحصلة‭ ‬من‭ ‬ضريبة‭ ‬التجار‭ ‬لمصلحة‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ (‬قلاطة‭ ‬الشيوخ‭) ‬وتوازي‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسهم‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬81‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬سفينة‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬3ر7‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الموسم‭ ‬وبلغت‭ ‬نحو‭ ‬222‭ ‬ألف‭ ‬روبية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1912‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬قياسي‭ ‬حينها‭.‬

ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬الوفرة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنة‭ ‬ان‭ ‬دخلت‭ ‬فئة‭ (‬الألف‭ ‬روبية‭) ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الهندية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتعامل‭ ‬بها‭ ‬الكويتيون‭ ‬قديما‭ ‬وهي‭ ‬فئة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬وذلك‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬لحجم‭ ‬السيولة‭ ‬الكبير‭ ‬المستجد‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

وتركت‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬دخل‭ ‬الغوص‭ ‬أثرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حجم‭ ‬العمل‭ ‬والرواج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتوسع‭ ‬الأسواق‭ ‬التجارية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬التي‭ ‬تجاوز‭ ‬عددها‭ ‬40‭ ‬سوقا‭ ‬ولكل‭ ‬منها‭ ‬نشاط‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الاخر‭.‬

وانتعشت‭ ‬أيضا‭ ‬حركة‭ ‬التصدير‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ ‬ومارس‭ ‬الكويتيون‭ ‬التجارة‭ ‬مع‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة‭ ‬واستطاع‭ ‬المواطنون‭ ‬تسديد‭ ‬الديون‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬عليهم‭ ‬لسنوات‭ ‬كما‭ ‬استقبلت‭ ‬البلاد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬قريبة‭ ‬لتوافر‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬والرزق‭ ‬فيها‭.‬

وللاشارة‭ ‬فإن‭ ‬موسم‭ ‬الغوص‭ ‬قديما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬سنة‭ (‬الطفحة‭) ‬اصبح‭ ‬موسمين‭ ‬إذ‭ ‬ذهبت‭ ‬السفن‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬قبل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬الى‭ ‬البلاد‭ ‬لصيام‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭ ‬وبعد‭ ‬عيد‭ ‬الفطر‭ ‬خرجت‭ ‬الى‭ ‬الغوص‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬وفرة‭ ‬الإيرادات‭.‬

وكانت‭ (‬سنة‭ ‬الطفحة‭) ‬نموذجا‭ ‬متكاملا‭ ‬للعمل‭ ‬الجماعي‭ ‬المنظم‭ ‬ومثالا‭ ‬للتفاهم‭ ‬الراقي‭ ‬والتعايش‭ ‬بين‭ ‬الحاكم‭ ‬والمحكوم‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬وشاهدا‭ ‬على‭ ‬إبداع‭ ‬المواطن‭ ‬الكويتي‭ ‬وقدرته‭ ‬وارادته‭ ‬اينما‭ ‬كان‭ ‬وفي‭ ‬أقسى‭ ‬الظروف‭.‬

مواضيع ذات صلة:

اللجنة العليا لاعادة تشغيل الرحلات التجارية في مطار الكويت تبحث مستجدات اجراءات التشغيل 

بحثت اللجنة العليا لإعادة تشغيل الرحلات التجارية في مطار الكويت الدولي في اجتماعها السادس الذي عقد اليوم...

12 أغسطس 2020

الغانم:  تشرفت بلقاء سمو نائب الأمير وولي العهد واستمعت إلى توجيهاته ونصائحه بشأن المشهد السياسي الحالي

استقبل سمو نائب الأمير وولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح في قصر بيان اليوم رئيس مجلس الأمة مرزوق...

12 أغسطس 2020

سمو نائب الأمير وولي العهد يستقبل رئيس مجلس الأمة

استقبل سمو نائب الأمير وولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح -حفظه الله- في قصر بيان اليوم معالي رئيس...

12 أغسطس 2020

البورصة تغلق تعاملاتها على ارتفاع جماعي لمؤشراتها 

(كونا) - اغلقت بورصة الكويت تعاملاتها اليوم الأربعاء على ارتفاع مؤشر السوق العام 6ر52 نقطة ليبلغ مستوى 26ر5152...

12 أغسطس 2020