رشاد الشوا  | عالم ضعيف أمام فيروس صغير 

2020-03-16 - 22:26

 

وباء الكورونا الذي يغزو العالم الان اظهر للأسف كم نحن ضعفاء وضحليين . فايروس صغير حطم جبروت الإنسان،وجعل من حضارة إنسانية عمرها سبعة آلاف عام مجرد أضحوكة..
كم كذبنا على بعضنا،وكم سرق غنينا فقيرنا،كم تفاخرنا بألقاب زائفة،وكم رأينا أننا الأصلح والأذكى والأقوى من بين جميع الكائنات..
لكننا نبدو اليوم كائنات هشة بائسة تثير الشفقة..
......
 أين دول العشرين إذن؟
أين العالم الأول؟ أين الدول الصناعية الكبرى ؟
أين جبروت وقوة اميركا واليابان وروسيا وأوروبا والصين ؟ 
أين الجامعات،ومراكز الأبحاث؟
وأين أبطال نوبل؟. واين واًين واًين ؟ 
رئيس وزراء بريطانيا  العظمى يطلب من مواطنيه توديع الأحبة،
ورئيس الولايات المتحدة يقطع ، الرحلات الجوية مع العالم،
رئيس وزراء كندا يحجر نفسه،
نجوم السينما، اصيبوا وأوقفوا دور السينما ، 
أندية رياضية كبرى،
بطولات عالمية، ألغيت وتوقفت 
مسارح ومهرجانات ألغيت ، المدارس والجامعات 
جميعها اغلقت . الحركة  مشلولة في  محطات القطارات وفي المطارات ،ومحطات النقل الكبرى، زعماء العالم يعتكفون ولم يبقى الا مقابلتهم من وراء الزجاج كما في السجون والأفلام . 
......
المصافحة ممنوعة،والتقبيل جريمة،الحشود ممنوعة
أماكن العبادة المقدسة تغلق ابوابها 
.....
الشك والريبة والخوف والقلق تسيطر على حواسنا،فيتعطل الدماغ عن التفكير السليم..
لم يكن ذلك بسبب حرب نووية،ولا مهاجمة كائنات فضائية لكوكبنا..
إنما بسبب فايروس صغير..
فايروس  بسيط. وليس ديناصور يجعل من  الدبابات،وأسراب الطائرات، وأحدث أنواع الرادارات...مجرد آلات غبية لا تصد هجوم،ولا تهدد عدو..
......
أقتصاد العالم يُشل،والبورصات الكبرى تتهاوى، أسعار النفط تسقط، والأغنياء يحبسون أنفاسهم ليعلموا ويتعظوا بان تخزين الأموال والطمع والجشع كله لا شيء ويرتجفون من الخوف ان اصابهم هذا الفيروس . يا ليت هذا الشعور يظل معهم ليشعروا بانهم يركضون وراء السراب . 
وحدهم الفقراء أمينون في القافلة،لكنهم ليسوا أمينين من الإصابة بكورونا،فهم مهددون مثلما الأغنياء بهذا الوباء..
......
على مدى القرون الماضية خضنا عدداً كبيراً من الحروب.. كل واحد منا يرغب  بتحطيم الآخر 
حروب دينية غزوات،ومؤامرات، وانتهاك لحرمة دم الإنسان..صراعات ومهاترات، حربين عالميتين،حربٌ باردة،
ضغوط على الشعوب الضعيفة، وابتزاز للأمم الفقيرة من قبل الدول الغنية الكبرى ، والشركات العالمية الكبرى والبنك الدولي وامثاله من موًسسات العالم  ، وشركات الأدوية العالمية والذي يشكلون جميعاً مافيا حقيقية تحتكر خيرات الناس وتتحكم بهم ولدولهم الضعيفة . 
 أنهار من الدماء، وجيوش من الأيتام،والأرامل، والجرحى، والمعاقين وكبار السن الذين لا مأوى لهم،والأطفال الذين يأنون من آلام المجاعة..
كل ذلك بسبب طمع الإنسان،وجشعه،ونزعته لظلم الآخر، وسلب ما لديه...ليس على مستوى الدول،بل حتى على مستوى الأفراد  والشركات . 
اليوم صار كل شيء في مهب الهاوية.. وأصبحَ كل كبير صغير،
وكل قوي ضعيف،وكل غني فقير.. فإذا كانت العولمة قد جعلت من العالم مجرد قرية،فإن الكورونا جعلت منهُ اليوم مجرد مسرحية ساخرة . 
..عودوا لحجمكم أيها المليارديرات والسياسيين  ورؤساء البنوك والشركات الكبرى .، واتركوا الطمع والجشع وتكديس المال وعيشوا وتمتعوا وأعطوا وشاركوا وساعدوا لتعلموا جميعا ومن فوقكم قادتكم وحكامكم والسياسيين الكاذبين بانكم جميعا لا شيء أمام فيروس بسيط والحقيقة بان هذا هو حجمكم فلا تتعالوا وتجبروا  على شعوبكم ، فأنتم اضعف الضعفاء. أتمنى بعد هذه المصيبة ان نعود لوعينا ونكون يدا واحدة . 
أربعة آلاف وثمانمائة ملياردير من بين ثمانية مليار انسان عدد سكان الارض يملكون ٣،٩ تريليون دولار !!! لماذا ؟ لو أعطيتم  نصفها لقمتم بحل مشاكل الدول الفقيرة والمتعثرة . ان الظلم وعدم العدل وعدم التوزيع العادل للثروة هو سبب مشاكل هذا العالم  وكذلك لم يعد هناك اَي قيمة للمال نهائيا . 
كنّا  نرتجف عند سماع كلمة المليار دولار في السابق ولغاية اخر  ثمانينات القرن الماضي . اليوم المليار دولار نسمع به كأنه عشرة دولارات .  نحن لم نتخلص من تداعيات أزمة العام ٢٠٠٨  وما قاموا به هو تقطيب الجرح  دون تنظيفه والرصاصة ما زالت  عالقة في الداخل تسبب لنا الالتهابات المتكررة  . انزلوا بعدها مباشرة عملة "البتكوين" لامتصاص باقي الأموال وتحقيق أرباح خيالية في اولها لالهاء الناس عن الأزمة الحقيقية .  نسينا الاستثمار بالذهب وتغطية أوراق النقد به وأصبحنا نطبع النقود ونغرق البشر والدول بالديون ، يدفعون الفوائد الخيالية ويخلقون أدوات استثمار كاذبة وصناديق تحوط اساسها سرقة وتلاعب ، نسوا الاستثمار بالموارد الطبيعية وتطويرها وتنميتها وحمايتها كالماء والغذاء وهي أساس حياتنا وبقائنا وتطورنا والتنمية المستدامة  ،  فاليابان وألمانيا دمروا بالحرب العالمية وبعد عشرين عاماً اصبحوا ثاني وثالث قوة اقتصادية بالعالم بدون امتلاك قطرة بترول او غاز ولكن لديهم الماء ، الدول الأفريقية متاًخرة وذلك لانفاق اربعون بالمائة من ناتجهم القومي لمعالجة أطفالهم وشبابهم من الأمراض والتي سببها تلوث المياه وهم المفروض  بهم ان يكونوا عماد بلادهم ومن ينهضوا بها . وذهبوا  للاستثمار في أمور لا تنفع ولا تجدي فقط لبناء الثروات على حساب الناس والمساكين  والدول الفقيرة والدول التي  لا تمتلك الموارد . 
ويتفاوضوا مع الموظف المسكين على الف وألفين دولار من راتبه قبل تعيينه ورواتبهم بالملايين وياًكلون حقوق موظفينهم ونهاية خدمتهم بحجة انهيار الشركات  وحقوقهم هم محفوظة ولم يمسها شيء . 
يجب ان نكون اكثر واقعية في حياتنا وفي اعمالنا وفي اسثمارنا وفي ترك الأنانية ، والعمل بروح الفريق الواحد والعمل لمصلحة بلادنا  وللناس اجمعين ، والعمل بصدق واخلاص وننظر للمدى الطويل لحماية وتطوير  دولنا وأعمالنا لتحقيق التنمية المستدامة ، التنمية الحقيقية  المبنية على أسس قوية والتي ستحقق الرخاء والأمن للجميع .
ان عدم وجود الامن حاليا وهو   ليس الامن المتعلق  بالجرائم والحروب بل الامن الذي فقدناه من فيروس صغير  وضعنا في ارتباك وخوف وبداًت اوضاعنا وأعمالنا وكل شيء حولنا بالتدهور  . فبغض النظر للسبب الحقيقي لانتشار هذا الوباء  واتحدى اي انسان ان يعرف السبب الحقيقي لما حدث ، وان كان وراءه لعبة سياسية ام لا ،   لانه في الواقع  لا احد  يعلم ما السبب الحقيقي لانتشاره . فيجب علينا ان نكون اقوياء وان  يكف الجميع عن تدمير ما تبقى لنا من الأمل بالإشاعات الكاذبة والفبركات من أدوات التواصل الاجتماعي وغيرها ،  وان  نعمل بصدق لتغيير هذا العالم ووضعه في الطريق الصحيح الذي يجب ان يكون عليه وعلى كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية والتعليمية  وكل جوانب الحياة . 
لا داعي للحديث اكثر من ذلك ، فهذه هي طبيعة الانسان وللاسف ، فبمجرد ان نجتاز هذه الأزمة سيعودون لأسواء مما كانوا الا القليلين منهم ، وتأكدوا ان الكارثة التالية ستكون هي الضربة القاضية ولن ترحم ، فلا تضعوا  انفسكم  وتضعوا الناس والشعوب بهذا الموقف، 
وخافوا على انفسكم وأولادكم وساعدوا الفقراء  المحرومين في هذا العالم ، ًفهل يعقل ان هناك مليارين ونصف شخص من سكان العالم بلا  إمكانية  الحصول على الماء وبلا صرف صحي وما زالوا يقوموا بذلك في الخلاء . 
أتمنى ذلك من كل قلبي .وأدعو الله سبحانه بان نجتاز هذه الأزمة باقل الخسائر ، وان يكون  هذا الوباء ان نجينا منه جرس إنذار ودرسا  لنا جميعا في كل دول العالم وبالأخص للمسوًليين والسياسيين وأصحاب ورؤساء الشركات والمؤسسات المالية وغيرها من المؤسسات والهيئات  العالمية الكبرى ومن يتحكموا  في مصير  الناس ، لانه بلا شك درسا قاسياً  وصفعة قوية ومثالاً حقيقاً لما يمكن  ان يحدث  لنا في المستقبل من شيء أكبر وأكثر خطورة وخاصة  وًلهذه اللحظة لم ننته من هذا الدرس القاسي بعد. 

مصرفي دولي ، رئيس مجلس الادارة لبنك المياه الدولي ، رئيس مجلس ادارةًً شركة مصادر المياه الدولية المساهمة عضو المجلس العالمي للمياه .

مواضيع ذات صلة:

‏وليد عبدالله الغانم | هل تصل رسائل «كورونا» إلى العمالة؟

لدينا في الكويت نسبة عالية جداً من العمالة الآسيوية، وكثير منها عمالة سائبة نتيجة إهمال وعجز حكومي في تنظيم...

31 مارس 2020

فالح بن حجري | خارج السرب: احذروا دس كورونا في العسل 

الديمقراطية وتداول الرأي والرأي الآخر وجبة شهية مكوناتها عسل ممزوج مع زبدة تجربة دستورية دسمة وسايحة تجاوز...

03 مارس 2020

د.علي الزعبي | وطن بنا… وطن لنا!

في الامس كان «عيد التحرير»، وفي اليوم الذي سبقه كان «عيد الاستقلال»، مناسبتان عزيزتان على قلب كل...

27 فبراير 2020

‏‫وليد عبدالله الغانم | نرجوكم أظهروا توثيقكم الشخصي للغزو والتحرير

يملك الكثير من الكويتيين خصوصاً الصامدين صوراً وتسجيلات بالفيديو ووثائق مهمة ومقتنيات من أيام الغزو...

24 فبراير 2020