كابتن مدرب مناف حسين| التحليق عكس تيار الهلع

2020-05-16 - 18:22

أزمة غير مسبوقة:

قد لايكون مستغربًا أن يكون الطيران التجاري من أكثر القطاعات تضررًا إقتصادياً من حدوث وباء عالمي، خصوصًا بعد إجراءات إغلاق الحدود الدولية وإيقاف التأشيرات والتطبيقات الصحية التي صاحبت إنتشار مرض الكوڤيد 19  حول العالم.

الإزدياد السريع لأعداد المصابين بالڤايروس حول العالم في نهاية شهر فبراير أصاب المطارات وشركات الطيران في قلب منظومة بيئتها العملية ، فبدت متفاجئة من الفترة الزمنية القصيرة التي يتحتم عليها إتخاذ قرارات كبيرة تؤثر على أعمالها، فجاءت القرارات مبدئياً بتقليص الرحلات من المناطق المتأثرة ثم الإبقاء على الرحلات للأماكن الأقل تضررًا، وعند عدم نجاح هذه القرارات وإزدياد الضغط على الحكومات لعمل حاسم قبل إنهيار المنظومة الصحية بدأت هذه المطارات والشركات بالإغلاق تباعًا في وجه الرحلات التجارية.

ما يجعل هذه الأزمة فريدة من نوعها هو عدم حصول حادثة مقاربة لها في العالم خلال فترة نمو الطيران التجاري من خمسينيات القرن الماضي الى اليوم. فآخر وباء سريع الإنتشار صنف بأنه يهدد العالم أجمع كان الأنفلونزا الإسبانية عام ١٩١٨ والتي أطاحت بأرواح ٥٠ مليون شخص. لكن في تلك الأعوام لم تكن هناك شركات طيران تجوب الكرة الأرضية. جميع الأزمات التي حدثت خلال فترة وجود شركات الطيران التجارية كانت تصيب إقليمًا أو منطقة فقط فكان التعامل معها أسهل وتفاديها أوضح.

تأثير الوباء على الوظائف:

هناك ١٠ ملايين شخص يعملون مباشرة في قطاع الطيران من عاملين في شركات الطيران وخدماتها وإدارة المطارات وتنظيم الملاحة الجوية. هذه الوظائف المباشرة تعتبر ذات إنتاجية ملموسة تعادل ٤,٢ أضعاف إنتاجية متوسط الوظائف العام في الإقتصاد .

أما الوظائف الغير مباشرة المتعلقة بأنظمة التكنولوجيا والإتصالات والنقل والسياحة والوقود ومحلات المطارات فهناك ٥٠ مليونا آخرين.

في الكويت يقدر عدد العاملين بالوظائف المباشرة بـ ١٢ ألف شخص.

خلال الشهرين الماضيين أعلنت العديد من شركات الطيران عن الإستغناء عن ما يقارب ١٥٪؜ الى ٣٥٪؜ من موظفيها بسبب أزمة الوباء. أغلب هذه الشركات كانت تعاني بوضوح حتى قبل وصول هذه الأزمة من مشاكل مالية أو في إستراتيجيتها العملية ، وكانت تغطي عادة على مشاكلها بالقروض البنكية أو تتخفى خلف الدعومات والتسهيلات الحكومية بالنسبة للشركات الأوفر حظًا. فجاءت هذه الأزمة كفرصة ذهبية لإتخاذ قرارات كهذه.

هذه القرارات لا تدعمها أي نماذج أو تجارب سابقة فكما أشرنا أن هذه أول مرة تواجه قطاع الطيران أزمة من هذا النوع، ولذلك هي تحتاج لرؤى وقرارات مبتكرة ومتوازنة بدلا من إستخدام القرارات الإقتصادية المعلبة من فوق الرف. كما أن الشركات الرائدة لا تنزل موظفيها من ركبها عند أول المحطة في الأزمات،فالقيم المتعلقة بالولاء والإنجاز تكون مسؤولية مشتركةومتبادلة بين الشركة الناجحة والعامل. متى ما كانت سياسات التوظيف مبنية على أسس صحيحة فإن النسب الكبيرة من الإستغناءات المذكورة أعلاه تصبح غير ضرورية.

الطيران التجاري وجد ليبقى:

خلال الفترة الذهبية لنمو الطيران التجاري من ٢٠٠٩ الى ٢٠١٩ زادت إيرادات شركات الطيران من ٤٧٠ مليار إلى ٨٣٨ مليار دولار أي ٣٦٨ مليار دولار من النجاح.

السفر عن طريق الطائرة أصبح الطريقة المثلى للعالم أجمع ولن تستطيع أي وسيلة نقل أخرى أن تستبدله خلال عشرات من السنين القادمة.

التوقعات المتشائمة الحالية التي تتوقع أن يتعافى القطاع بنهاية ال ٣ سنوات من الآن من إسمها متشائمة ، فهي لا تقيم وزناً لواقع أن الناس مضطرة ومتلهفة للرجوع للسفر لأسباب غير سياحية تتعلق بالعمل بالخارج والتعليم والعلاج الى آخره ، كما لا تنتبه الى قوة ومناعة صناعة السياحة التي عادت من الكثير من الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية وحتى الصحية مثل السارس وأنفلونزا الطيور والخنازير وال ميرس بسرعة خيالية وقوة أكبر ونمو أعلى.

إن كان الإستثمار في قطاع الطيران طويل الأمد وهو ما يجب أن يكون، فالنظر الى أبعد من أنف أزمة الوباء يعتبر الخيار الإقتصادي والإستراتيجي الأكثر فعالية والأقل كلفة.

آملين من الله أن يوفق العلماء في إيجاد علاج لهذا الوباء قريباً وأن يحفظ الجميع إلى ذلك الحين.

بقلم/ كابتن مدرب مناف حسين

مواضيع ذات صلة: