محليات

نهج الكويت الإنساني.. من الغوث الطارئ إلى صناعة الاستقرار المعيشي

المبادرات الإنسانية الكويتية تتصدر المشهد الإغاثي الدولي

بملامح ترتكز على الاستدامة وصناعة الفارق، تواصل المبادرات الإنسانية لدولة الكويت صياغة واقعٍ جديدٍ مفعمٍ بالحياة في أقاليم جغرافيةٍ متعددةٍ، متصدرةً المشهد الإغاثي الدولي كواحدةٍ من أكثر المنظومات كفاءةً وقدرةً على النفاذ إلى عمق الحاجة الإنسانية.

وفي وقتٍ يواجه فيه العالم أزماتٍ ممتدةً وعجزاً تمويلياً حاداً، واصلت دولة الكويت كتابة فصولٍ جديدةٍ في مسيرتها الإنسانية الريادية، محولةً المساعدات التقليدية إلى طوق نجاةٍ وصناعة أملٍ مستدامٍ، لتمضي مبادراتها الكويتية في مساراتٍ تتجاوز حدود الإغاثة الآنية لتصل إلى بناء مقومات حياةٍ أكثر استقراراً للمجتمعات المحتاجة، مستندةً إلى موقفٍ مبدئيٍّ راسخٍ يجعل من صون كرامة الإنسان وتحسين قدرته على الاعتماد على نفسه أساساً للعمل الخيري داخل ميادين الحاجة المختلفة.

ويتجاوز هذا الحضور الإنساني النابض مفهوم التدخلات الإغاثية الآنية، ليلامس عمق التمكين البشري، مكرساً نهجاً كويتياً أصيلاً يعيد النور إلى أعين المرضى، ويفتح شرايين الحياة بآبار مياهٍ عذبةٍ، ويمنح الأسر أدواتٍ لكسب الرزق، مما يحول كل مساهمةٍ من أهل الخير في الكويت إلى أداةٍ حقيقيةٍ تعيد للمستفيدين قدرتهم على الاعتماد على الذات وبناء مستقبلهم المستقر.

وفي هذا الإطار، أعلنت جمعية العون المباشر تنفيذ ثلاثة مخيماتٍ جراحيةٍ للعيون خلال شهر سبتمبر الجاري، في أوغندا وتوغو وتونس، ليرتفع إجمالي المخيمات التي نفذتها منذ بداية عام 2026 إلى 54 مخيماً، استفاد منها 222 ألف شخصٍ في 14 دولةً أفريقيةً واليمن، ضمن جهودها الرامية إلى مكافحة العمى وتوفير الرعاية الصحية للفئات الأكثر احتياجاً.

وقال المدير العام للجمعية الدكتور عبدالله السميط إن مخيمات سبتمبر قدمت خدمات الفحص والعلاج لنحو 4907 مرضى، وأجرت 1503 عمليةٍ جراحيةٍ لاستعادة البصر، مؤكداً أن الجمعية تستهدف تنفيذ 114 مخيماً للعيون خلال عام 2026، بالتنسيق مع الجهات الصحية في الدول المستضيفة.

وأضاف السميط أن أثر هذه العمليات يمتد إلى ما بعد استعادة البصر، إذ يمنح المستفيد فرصةً للعودة إلى العمل ورعاية أسرته والمشاركة في مجتمعه، موضحاً أن تكامل جهود المتبرعين والفرق الطبية والشركاء يسهم في إيصال الخدمات الصحية إلى المرضى الأكثر احتياجاً وتعزيز استدامة أثرها.

وعلى صعيدٍ متصلٍ، نفذت جمعية العون المباشر في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت اليمنية مشروع توزيع 10 قوارب صيدٍ مزودةٍ بمحركاتٍ ومعدات صيدٍ، ضمن حملة المشاريع الاقتصادية «أغنوهم عن السؤال»، وفي إطار حملة «الكويت بجانبكم» في عامها الـ12 على التوالي.

وقالت «مؤسسة استجابة للأعمال الإنسانية» المنفذة للمشروع في بيانٍ إن المشروع يهدف إلى دعم التمكين الاقتصادي المستدام، ودعم الأسر المستفيدة للانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج والاعتماد على النفس.

وثمن وكيل محافظة «حضرموت» مراد باعلوي المشروع، في تصريحٍ صحفيٍّ خلال التدشين، هذا الدعم الإنساني والتنموي الهام الذي يجسد أواصر الأخوة والتضامن بين دولة الكويت واليمن، مشيداً بدور «جمعية العون المباشر» وشريكها المحلي «مؤسسة استجابة» في تنفيذ مشاريعَ ذات أثرٍ مستدامٍ.

من جانبه، أشاد مدير عام مديرية «المكلا» فياض باعامر بالمشروع الذي سيسهم في تحسين المستوى المعيشي للصيادين وتعزيز الأمن الغذائي، مقدماً الشكر لدولة الكويت على دعمها.

بدوره، قال مدير مكتب «جمعية العون المباشر» الكويتية في «حضرموت» عدلي باسيف إن توزيع القوارب ومعداتها يأتي ضمن استراتيجية الجمعية للتمكين الاقتصادي المستدام، مؤكداً حرص الجمعية على توفير التجهيزات اللازمة لبدء المستفيدين نشاطهم بصورةٍ فوريةٍ، واستمرارها في تنفيذ المشاريع التنموية المستدامة.

وفي ذات السياق، أوضح مدير العلاقات بـ«مؤسسة استجابة» صالح باقلاقل حرص المؤسسة على ترجمة دعم جمعية «العون المباشر» إلى مشاريعَ عمليةٍ، مبيناً أن تسليم القوارب والمعدات تم بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وتحقيق أثرٍ تنمويٍّ مستدامٍ.

ويجسد المشروع توجهاً نحو تحويل المساعدة الإنسانية إلى مصدر دخلٍ مستدامٍ، من خلال توفير أدوات العمل اللازمة للمستفيدين، بما يساعدهم على بدء نشاطهم بصورةٍ مباشرةٍ، وتحسين أوضاعهم المعيشية، والإسهام في دعم الأمن الغذائي المحلي، وتعزيز قدرة الأسر على بناء مصادر رزقٍ مستقرةٍ.

وفي مسارٍ يجمع بين الماء والعبادة والعلاج، نفذت نماء الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي 25 بئراً في الهند وموريتانيا وبنين، استفاد منها أكثر من 12 ألف شخصٍ، بما وفر للمجتمعات المستهدفة مصادر أكثر استدامةً للمياه الصالحة للشرب، وأسهم في تخفيف مشقة الحصول عليها في المناطق التي تعاني شح المياه.

وقال مدير العلاقات العامة والإعلام في نماء الخيرية إن مشاريع المياه تأتي ضمن اهتمام الجمعية بتوفير الاحتياجات الأساسية للإنسان، مؤكداً أن الوصول إلى المياه النظيفة يمثل خطوةً نحو حياةٍ أكثر استقراراً وصحةً وكرامةً، وأن أثر البئر يمتد إلى الأسرة والمجتمع ولا يتوقف عند توفير الماء فحسب.

وفي امتدادٍ لمشروعاتها التنموية، افتتحت نماء الخيرية 5 مساجد لخدمة المجتمعات المستفيدة، وتوفير أماكن مناسبة لأداء الصلوات وتعزيز الترابط الاجتماعي، بما يمنح هذه المشروعات بعداً يتجاوز البناء إلى توفير مساحةٍ تخدم المجتمع وتلبي احتياجاته الدينية والاجتماعية.

وعلى المسار الصحي، أجرت الجمعية 150 عمليةً لإزالة المياه البيضاء في الهند لمستفيدين عانوا ضعفاً في البصر أثر في قدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية، لتمنحهم العمليات فرصةً جديدةً للعودة إلى أعمالهم وتعليمهم والتفاعل مع أسرهم ومجتمعاتهم بصورةٍ أكثر استقلالاً.

وتميزت الاستجابات الإنسانية الكويتية الأخيرة بتبني حلولٍ جذريةٍ ومستدامةٍ تمس الاحتياجات الأساسية للبشر، فبينما أعادت مخيماتها الطبية الإبصار لآلاف العاجزين، فتحت مشاريعها التنموية أبواباً لرزقٍ مستدامٍ وتأمين المياه الصالحة للشرب، لتثبت المؤسسات الإنسانية الكويتية تفوقها الميداني في صناعة الفارق الإيجابي وتحويل التبرعات إلى أدواتٍ لبناء المستقبل.

ويعكس التقييم الميداني للجهود الكويتية التزاماً راسخاً بأنسنة العمل الإغاثي وتحويل التبرعات إلى قوارب نجاةٍ حقيقيةٍ، لا سيما وأن هذه المشروعات مجتمعةً تظهر اتساع مفهوم العمل الإنساني الكويتي، من معالجة الحاجة المباشرة إلى صناعة أسباب الاستقرار.

ويتجلى الأثر الإيجابي البارز لهذا النهج في قدرته على تغيير الواقع المعيشي لآلاف الأسر، في ضوء ما تميزت به الاستجابة الكويتية الأخيرة من تبنٍّ لحلولٍ جذريةٍ ومستدامةٍ تمس الاحتياجات الأساسية للبشر.

زر الذهاب إلى الأعلى